إيران "توسع شبكة نفوذها" لمواجهة خصومها في الشرق الأوسط
فرانك غاردنرمراسل بي بي سي للشؤون الأمنية
تمكنت إيران من التفوق في الصراع من أجل تعزيز نفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط لمواجهة السعودية، بحسب دراسة أصدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.
وأنفق خصوم إيران في المنطقة مليارات الدولارات لشراء أسلحة غربية، معظمها من بريطانيا.
وعلى الرغم من تعرض إيران لعقوبات، فإنها تمكنت من تعزيز مكانتها في المنطقة في موقع تتمتع فيه بميزة استراتيجية، وبتكلفة تقل كثيرا عن ما ينفقه خصومها.
وتتمتع إيران بنفوذ كبير في سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن، وعلى وشك بسط نفوذها في أماكن أخرى.
"قلب الموازين"
والحقيقة أن إيران بنت في خفاء شبكة من الحلفاء من الجماعات في منطقة الشرق الأوسط، يشار إليهم عادة بتعبير "مليشيات وكيلة"، وليس هذا شيئا جديدا.
فإذا بدأنا بحزب الله في لبنان، نجد أن الجمهورية الإسلامية كانت تسعى إلى تصدير أيدولوجيتها الثورية، وتوسيع نطاق نفوذها خارج حدودها، منذ عودة آية الله الخميني إلى طهران في عام 1979.
لكن التقرير الذي أصدره المعهد الاستراتيجي في 217 صفحة تحت عنوان (شبكات نفوذ إيران في الشرق الأوسط) يقدم تفاصيل غير مسبوقة فيما يتعلق بنطاق عمليات إيران في المنطقة وما بلغته.
ويقول التقرير: "الجمهورية الإسلامية قلبت ميزان القوى المؤثرة في الشرق الأوسط لصالحها". وقد توصلت إلى ذلك، كما يقول مؤلفو التقرير، بواسطة "مواجهة القوى التقليدية العظمى بعمليات نفوذ، وباستخدام طرف ثالث".
وكان العنصر الأساسي هنا هو فيلق القدس - جناح العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني.
ويتلقى فيلق القدس وقائده، اللواء قاسم سليماني، أوامره مباشرة من المرشد الأعلى على خامنئي، متجاوزا الترتيب العسكري التقليدي حتى يصبح كيانا مستقلا فعالا.
وكثف الفيلق عملياته في الشرق الأوسط، بعد إطاحة الولايات المتحدة بنظام الرئيس صدام حسين في العراق في 2003، فوفر التدريب والتمويل والأسلحة للفصائل الفاعلة الحليفة لطهران.
كما طور أشكالا غير تقليدية وغير نظامية من الحرب، من بينها الاعتماد على وحدات صغيرة، وهجمات الطائرات بدون طيار والهجمات الإلكترونية، مما سمح لإيران بتعويض تفوق أعدائها عليها في مجال الأسلحة التقليدية.
مصدر الصورةAFPImage captionاللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس
وفي شهر أبريل/نيسان عد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الحرس الثوري الإيراني، ومعه فيلق القدس، "منظمة إرهابية أجنبية". وكانت تلك هي المرة الأولى التي تذكر فيها الولايات المتحدة بالاسم جزءا من حكومة أخرى باعتباره منظمة "إرهابية".
وردت إيران على قرار ترامب بأن عدت الجيش الأمريكي في الخليج، في إشارة رمزية إلى حد كبير، "كيانا إرهابيا".
ويعتقد جاك سترو، الذي كان وزير خارجية بريطانيا فيما بين 2001 و2006، والذي زار إيران غير مرة، أن دور الجنرال سليماني يتجاوز دور أي قائد عسكري.
ويقول: "قاسم سليماني يدير السياسة الخارجية في المنطقة عبر الحلفاء الذين تدعمهم القوة".
وردا على تقرير المعهد الاستراتيجي قال متحدث باسم السفارة الإيرانية في لندن لبي بي سي: "إذا كان التقرير يعني أن دور إيران في المنطقة يجب احترامه، فإنه علامة مرحب بها".
وأضاف أن: "سياسة تجاهل إيران قد فشلت. فقد قاومت إيران، وتمكنت من السيطرة على أضرار الإرهاب الاقتصادي الأمريكي. ولذلك فهي أمة قوية، ولديها علاقات كثيرة مع الدول الأخرى، وطرحت مبادرات كثيرة للتعاون الإقليمي".
"الشريك الصغير"
يقول التقرير عند توثيقه بالتفصيل لمسارات الإمداد الإيراني عبر سوريا والعراق، إن حركة حزب الله اللبنانية الشيعية، وهي حزب سياسي ومليشيا مسلحة في الوقت نفسه، "بلغت وضعا فريدا بين شركاء إيران".
مصدر الصورةGETTY IMAGESImage captionأنصار حزب الله في بيروت يرفعون صورة خامنئي
وأدى حزب الله دورا مهما في الصراعات، فقاتل إلى جانب القوات السورية الموالية للرئيس بشار الأسد، وساعد المليشيات الشيعية العراقية.
وعلى الرغم من أن التقرير يصنف حزب الله باعتباره "أقرب إلى أن يكون شريكا صغيرا موثوقا به لإيران، وشقيقا في السلاح من أن يكون وكيلا"، فإنه يقول إن الجماعة أصبحت محاورا مركزيا لمجموعة من المليشيات العربية والأحزب السياسية التي لها علاقات بإيران.
ترسيخ الأقدام في العراق وسوريا
غير الغزو الأمريكي للعراق، ثم الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين بعد ذلك، شكل الشرق الأوسط تماما، وأعطى إيران فرصة كبيرة للاستفادة من هذا الوضع لصالحها.
وكانت دول الخليج العربية، قبل هذا الحدث تنظر إلى العراق - الذي كان يحكمه السنة - باعتباره حصنا منيعا في مواجهة التوسع الإيراني.
ومع تلاشي هذا الحصن، نجحت إيران في استغلال علاقاتها الدينية والثقافية بنجاح داخل العراق، ذي الأغلبية الشيعية، لتصبح قوة مهيمنة فيه.
ودربت إيران وسلحت قوات الحشد الشعبي، التي ساعدت في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، لكن يعدها كثير من العراقيين شكلا من أشكال الاستعمار.
ولكن الأمور بالنسبة إلى إيران لم تكن كما كانت تروم. إذ إن المظاهرات الحاشدة والعنف الذي ووجهت به في العراق يظهران أن الشباب ليس راضيا عن حكومته المدعومة من إيران.
ويقول "التقرير تحول الحشد الشعبي من متطوعين وطنيين إلى جزء راسخ من نظام الحكم في البلاد كلفه الدعم الشعبي الذي كان يحظى به".
ويعتقد جاك سترو أن إيران حازت على أكثر مما تستطيع التعامل معه في العراق.
مصدر الصورةGETTY IMAGESImage captionقوات الحشد الشعبي قاتلت إلى جانب الحكومة في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية
ويقول: "ما يجري في العراق أمر خطير بالنسبة إلى الإيرانيين، إذ إنهم يغامرون بفقد سيطرتهم هناك".
أما سوريا، فمازالت حليفا لإيران. وكانت القوات الإيرانية، إلى جانب مقاتلي حزب الله وغيرهم، والقوة الجوية الروسية، ذات دور فعال في مساعدة الرئيس الأسد على البقاء، وتحويل الدفة ضد المسلحين.
ويقول التقرير اليوم "توطد إيران وضعها في الحكومة السورية التي تتطور، والبنية الأمنية غير الرسمية، معززة تهديدها لإسرائيل".
زعزعة الخصوم في الخليج
تود إيران بشدة أن تغادر الولايات المتحدة المنطقة، وأن تحل محلها كقوة عسكرية مهيمنة. ولكن السعودية، والبحرين، والإمارات، على وجه الخصوص، لا تعتزم أبدا السماح بذلك.
وحينما هبت انتفاضات "الربيع العربي" في 2011، استفادت إيران من القلاقل في البحرين. واستفادت من المظالم المشروعة للأغلبية الشيعية من السكان، وساعدت أيضا في تسليح بعض الجماعات المسلحة العنيفة.
ويقول التقرير: "كان دعم إيران للجماعات المتشددة في البحرين، والسعودية، والكويت، أساسا يهدف إلى الضغط على الحكومات وإزعاجها، وفرض تكلفة سياسية لعلاقاتها مع الولايات المتحدة".
ويضيف التقرير أن التهديد الأمني الذي تمثله تلك الجماعات، أمر يمكن التعامل معه. لكن هجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ على منشآت النفط السعودية الحيوية في السعودية في سبتمبر/أيلول أظهرت عدم تحصن دول الخليج العربية ضد أي هجمات من هذا النوع.
لقد اشترت السعودية أنظمة دفاع صاروخي مكلفة من الولايات المتحدة، ولكن تلك الأنظمة لم تستطع وقف هجمات بدائية تكنولوجيا نسبيا تمكنت من وقف نصف إنتاجها للنفط مؤقتا. لكن إيران نفت ضلوعها في تلك الهجمات.
ويرى مركز أبحاث آخر، هو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن إيران استفادت من دعمها للجماعات التي تتفق مع أغراضها.
ويقول المجلس: "لا تستطيع إيران التنافس مع السعودية، إذا نظرنا إلى القدرات العسكرية التقليدية، ولذلك سعت إلى استخدام وسائل غير تقليدية لتأمين مصالحها، وحماية نفسها من التهديدات الخارجية. وإذا نظرنا إلى الفوز بالمعارك العسكرية نجد أن إيران ساندت اللاعبين المناسبين، مقارنة بالسعودية".
الحرب في اليمن
عندما انزلق اليمن إلى الحرب في أواخر 2014، كان ضلوع إيران قليلا جدا.==============
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق